روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

60

عرائس البيان في حقائق القرآن

رَحِيمٌ بأن أوصله إلى أعلى المقامات من المشاهدة ، وتصديق ما ذكرنا ما قال الواسطي : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ برؤية النفس والالتفات إليها . وقال القاسم : إلا من خاف غيرنا . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 19 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً افهم أن العلم علمان علم البيان وعلم العيان ، علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية ، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية ؛ فما ذكر اللّه سبحانه فيما أعطاهما ، فهو من العلمين البياني والعياني ، فالعلم البياني معروف بين العموم ، والعلم العياني مشهور بين الخصوص لم يطلع عليه إلا ولي أو نبي ؛ لأنه صدر من الحق لأهله ، شهوده من المحبين والعارفين والموحدين والصديقين والأنبياء والمرسلين ، ومن ذلك العلم علم اللدني ، والعلم اللدني حقائقه علم المجهول ، وعلم المجهول ما يكون صورته بخلاف علم الظاهر مثل صنيع الخضر عند موسى - عليهما السلام - من قتل الغلام وغيره ، وهو حلم الأفعال وبطون حقائق المقدرات والأمور الغيبية ، وما يتعلق بالملك والملكوت الذي هو المرتبة الأولى من علوم المعارف ، والحكم المرتبة الثانية علوم الأسماء والنعوت والصفات مثل ما علمه اللّه آدم بقوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ، والمرتبة الثالثة العلم بالذات : وهو علم الأسرار وهذه العلوم يجمعها قسمان قسم مستفاد من الخطاب والإلهام والكلام ، وقسم يتعلق بكشف الذات والصفات والأفعال ، وما أشرنا إلى هذه ، وهو صورتها وحقائقها ذوقي كشفي لا يطلع عليها إلا من شاهد الحق بالحق ، ويستغرق في بحارها ، وعرف أنها غير محصورة للعقول ؛ لأنها صفات قديمة لا نهاية لها ؛ فلما عظم شأنها حمدا اللّه بما نالا منه من اللّه ، بقوله : وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) أي : خصنا في الأزل بهذه الخاصية من بين عباده تفضلا ، وامتنانا واصطفائية مقدسة في سوابقات حكمه الديمومية عن علل الاكتساب .